لا شك أن التغيرات المناخية في الكوكب كانت على مر الأزمنة وإلى يومنا هذا إحدى أهم القضايا التي حظيت باهتمام ودراسات وتجارب وتحليلات مختلفة من قبل العلماء بغرض التنبؤ بما سيكون عليه الحال مستقبلاً وبما عاشته أرضنا سابقاً من تغيرات ربما كان حصيلته ما نشهده من تقلبات في أنماط وأشكال المناخ والطقس اليوم، فإحدى تلك الدراسات مثلا كانت تتنبأ بأن المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية سيكون لها نصيب في المستقبل من الإرتفاع في درجات الحرارة والرطوبة معاً بشكل لم يعشه البشر سابقاً، وتحذرنا هذه الدراسات من تزايد احتمالات دمار الاقتصاد إثر ذلك بل وربما قد يصل الامر الى مستويات تفوق أو تهدد القدرات الفسيولوجية البشرية في البقاء!

وفي دراسة جديدة يقدمها توم ماثيوز -المحاضر في علوم المناخ في جامعة لوبورو في المملكة المتحدة- وكولين ريمون -باحث ما بعد الدكتوراه في مختبر الدفع النفاث التابع لناسا-، تخبرك اليوم عزيزي القارئ بمفاجأة صغيرة مفادها مهلاً، فتلك الدراسات السابقة قد لا تكون صحيحة تماماً؛ لأن هذه التغيرات المناخية “غير المسبوقة” لم تعد في علم المستقبل بل تحدث وحدثت بالفعل على كوكبنا!

استدلت الدراسة بعدد كبير من الحالات النادرة للحرارة والرطوبة الشديدة في مناطق متفرقة من آسيا، أفريقيا، استراليا، امريكا الجنوبية والشمالية، وعلى طول الخليج الفارسي كذلك، وقد فاقت الاحتمال النظري للبقاء البشري بالفعل، ففي الواقع استمرت هذه الحالات لعدة ساعات في تلك المناطق، لكنها تتزايد بالتكرار والشدة إلى حد ما.

يقول ريمون: ” تلك الدراسات السابقة تنبأت بأن هذا سيحصل خلال بضعة عقود لاحقة ولكنه يحدث الآن بالفعل”.

وتكشف الدراسة أيضاً  بعد تحليل بيانات محطات الطقس من عام 1979 إلى 2017، أن معدلات الحرارة والرطوبة قد تزايدت الى الضعف بحوادث متكررة في مناطق في الهند وبنغلادش وباكستان وكذلك على طول سواحل البحر الأحمر وخليج المكسيك، وأما في المنطقة العربية فقد تم تسجيل قراءات قد تكون قاتلة بالفعل ل 14 مرة وتحديداً في الدمام في المملكة العربية السعودية وفي قطر ورأس الخيمة في الإمارات العربية المتحدة.

أدى ارتفاع مستويات الرطوبة في الواقع إلى تفاقم مستويات تأثير الحرارة؛ لإنه الإنسان يُقلل من حرارة جسمه عن طريق التعرق؛ فيخرج العرق من خلال الجلد ويتبخر ويحمل الحرارة بعيداً، لكن الهواء في المناطق الرطبة محملاً بالرطوبة، تكون عملية التبخر للعرق أبطأ وفي بعض الحالات قد تتوقف بالفعل، وفي هذه الحالة إذا لم يتمكن الشخص من العودة إلى غرفة مكيفة الهواء مثلاً؛ فإن داخله قد يسخن متجاوزاً النطاق الضيق للبقاء وستبدأ الأعضاء بالتعرض للفشل.

كريستينا دال -عالمة المناخ في اتحاد العلماء المعنيين- تقول: إن الدراسة الجديدة تظهر “مدى قرب المجتمعات حول العالم من حدودها”. وأضافت أن بعض المناطق قد تشهد بالفعل ظروفاً أسوأ مما توحي الدراسة؛ لأن محطات الأرصاد الجوية لا تلتقط بالضرورة النقاط الساخنة في أحياء المدينة الكثيفة المبنية بالخرسانات.

 يبدو أن هذه الدراسة كانت بمثابة منبه لحقيقة أن المستقبل الذي من الممكن أننا نخشاه لما قد يتضمنه من تقلبات أو تغيرات قد نجهل مدى إمكانية تكيفنا معها، أصبح على مشارف الواقع أو أنه حاضرنا الحالي بالفعل دون أن نعي.

يقول  ستيفن شيروود -عالم المناخ في جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية-: “تشير هذه القياسات إلى أن بعض مناطق الأرض أقرب بكثير مما كان متوقعاً من الوصول إلى حرارة مستدامة لا تطاق، فقد كان يُعتقد سابقاً أن حدَّ الأمان لدينا أكبر بكثير.