عندما تسمع عادة بما يعرف بالثقب الأسود ربما يتبادر الى ذهنك للوهلة الاولى تخيل مساحة فارغة من العدم أو اللاشيء، قد يعود ذلك إلى هذه التسمية بحد ذاتها التي في واقع الأمر تُعنى بالنقيض تمامًا؛ مساحة هائلة من المادة ولكن ضمن مساحة صغيرة نسبيًا؛ تخيل نجمًا يبلغ في حجمه عشرة أضعاف حجم الشمس مضغوطًا في مساحة كرة قطرها تقريبًا مماثلٌ لمدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية! 

تمثل هذه المساحة من المادة كمية هائلة من قوة الجاذبية تمنع أي شيء تقريبًا حتى الضوء من النفاذ، أغلب الثقوب السوداء تم التنبؤ بها تبعًا لنظرية النسبية العامة لأينشتاين؛ التي أظهرت وبأنه عندما يموت نجمٌ ضخمٌ ما، فإنه يترك وراءه لبًا كثيفًا صغيرًا، فإذا كانت كتلة هذا اللب أكثر بثلاث أضعاف من كتلة الشمس فإن قوة الجاذبية تطغى على كل القوى الأخرى وفقًا لمعادلات النسبية ويولد بذلك أخيرًا الثقب الأسود.  

ولكن لو تخيلنا فرضًا أو جدلًا أنه قد أصبحنا في مدى إحدى هذه الثقوب السوداء إلى أيّ حدٍ يمكننا أن نقترب منها أكثر؟! هل سنخوض عندها ببساطة إلى مركزها؟!  يجب أن تعلم بأن هذه الرحلة لن تكون بهذه السهولة؛ باقترابك أكثر فأكثر إلى مركز الثقب الأسود سوف تصل إلى نقطةٍ تتلاشى فيها كل مقومات الاستقرار مقابل صخور الجاذبية، وقبل الوصول بقليل إلى حافة الثقب (The event horizon) تصبح شدة قوى الجاذبية عالية جدًا والاستقرار في مدارٍ ما سيكون مستحيلًا، في هذه النقطة ينبغي أن تكون محظوظًا كفاية لامتلاكك إحدى مصادر الطاقة، كالصواريخ مثلًا لتقذف بك بعيدا نحو بر الأمان، أما إن كان حالك لا يختلف كثيرًا عن إحدى الغازات فسيكون من نصيبك السقوط بحرية نحو المجهول المنتظر “مركز الثقب الأسود”.

النهاية لهذه الغازات داخل المجهول تبدو سريعة وبعيدة عنا؛ لذا حاول الفلكيون ابتكار تقنية جديدة لمعرفة المزيد عن هذه اللحظات الاخيرة، حيث تعتمد هذه التقنية على محاولتهم لمعرفة أقصى حد يمكن الوصول إليه لثقبٍ أسود من خلال أجهزة قادمة من التلسكوبات عالية الحساسية للاشعة السينية “X ray”، ألا وهو عتبة الحدود المسماة “The innermost stable circular orbit” أو “ISCO”. 

يجدر الذكر وبأنه وفي طريق هذه الرحلة حيث تقع هذه الحدود “ISCO” ثم وباتجاه ما يعرف بالـ “accretion disk” أو قرص التنامي أو المتسارع، يبدأ نوع من الغاز بالتدفق من الثقب الأسود، ساخنًا جدًا باعثًا كميةً من الأشعة السينية التي تحمل مقدارًا عاليًا من الطاقة والتي تبدأ بالإشعاع في كل الاتجاهات وبعيدًا عن الثقب الأسود ويمكننا رؤية هذا الانبعاث من كوكبنا الأرض.

في حالة الثقوب السوداء الضخمة فإن هذه الأقراص المتسارعة تبدأ بالتوهج بشدة ويجعلها تتحول الى شكل آخر يدعى” النواة المجرية الضخمة (AGN)؛ متفوقة بذلك على ملايين المجرات المنفردة

في دراسة ما من العام السابق تمكن العلماء باستخدام المحاكاة الحاسوبية المعقدة من دراسة حركة هذا الغاز داخل ال “ISCO” وكيف ينتهي قريبًا باتجاه أفق الثقب الأسود، وقد وجدوا بأنه و باستخدام الجيل القادم من الأشعة السينية فإنه من الممكن جدًا في المستقبل من التأكد من وجود مدار “ISCO” ومدى توافقه مع النسبية العامة في رقعة ربما تكون من أكثر الرقع تطرفًا في كوننا العظيم، والذي يبدو أن الرحلة داخله ما زلت طويلة الأمد وما زلنا نجهل عنها الكثير.