لطالما شاهد الناس وجوهًا على سطح القمر، أو خضروات على شكل غريب تشبه شكل الأوجه، وحتى على خبز محمص. أو رأوا أشكال حيوانات في الغيوم، أو تهيأ لهم أوجه وأجسام ومجسمات على الجبال الراسخة وتفاصيل الأشياء في غرفة ما، أو حتى ظهور المسيح في فنجان القهوة و لفظ الله في اغصان الشجر وغيرها من الظواهر.

بعيدًا عما نشهده من تلك الصور المنتشرة على مواقع التواصل التي سبق وأن عُدِّلَت باستخدام برنامج “الفوتوشوب”، ما هو السر الفعلي الذي يجعلنا نقوم بصنع تفاصيل أوجه وأمور مألوفة من مشاهدات عينية عامة؟

تعتبر “الباريدوليا” (Pareidolia) ظاهرةً سايكولوجيةً نفسيةً يستجيب فيها العقل لمحفز عشوائي يمكّن المرء من تحديد صورٍ أو كلماتٍ أو أصواتٍ معيّنة في أماكن ليست موجودةً فيها واقعيًّا، وتأتي تسمية الظاهرة من الكلمة اليونانية “باريدوليا” التي تعني ”ما يفوق الصورة“، وتمتلك هذه الظاهرة تاريخًا كبيرًا يمكّننا من تفسير العديد من الحوادث التي سبق واصطدمنا بها.

وفي استعراض أمثلة عن هذه الظاهرة، يتصدر كفن تورينو أحد أهم الأمثلة على” الباريدوليا”، وهو قماش يحمل صورة رجل – يعتقد البعض أنه يسوع – حيث تُظهِر القطعة، من الأمام والخلف، ما يشبه وجه رجل نحيف غائر العينين يتكون عبر علامات لندبات ولطخات يُعتقد بأنها دم، وظهرت القطعة لأول مرة في عام 1354.
أيضا سنة 1976 حدث شيء غريب حول كوكب المريخ، فبينما كانت مركبة “فايكينغ 1″ التابعة لوكالة ناسا تدور حول المريخ وتلتقط صورًا لمناطق هبوط ممكنة للمركبة فايكينغ 2، التقطت صورة لظل غامض يشبه وجه إنسان ويعرف هذا الحدث حتى الآن ب”وجه المريخ”.
وحول هذه الأمثلة العديدة المشهورة أو التي تصادف أحدنا خلال يومه نبقى في سؤال دائم حول التفسير القابع وراء هذه الظاهرة.
يقول خبراء آخرون إن هذه الظاهرة هي نتيجة لأنظمة معالجة المعلومات في الدماغ، حيث يقول “جويل فوس”، عالم الأعصاب في جامعة “نورث وسترن”: “إن الدماغ يعمل باستمرار عبر الخطوط والأشكال والأسطح والألوان العشوائية”.
أي أنّه من ناحية عصبية، تعتبر أدمغتنا بيئة معدة للمعالجة الضخمة للمعلومات، وعلى خلاف أجهزة الكمبيوتر البسيطة، يمكنها أن تجري ترتيبًا مثاليًّا للعثور على الأنماط وإنشاء الارتباطات والتحقق من كميات كبيرة جدًّا من البيانات.
وفي اختبار طُبِّق عام 2011، تم إظهار عدد من الصور التي تحمل وجوهًا معيّنة أمام خلفيات غير واضحة المعالم على جمع من الأشخاص؛ حيث استطاع 90٪ منهم رؤية الوجه بوضوح، إلّا أنّه حين تمّت إزالة الوجه من الصورة، وبقيت الصورة عبارة عن التشويش السابق فقط -الذي عمل سابقًا كخلفية للوجه-، ادّعى 40٪ من المشاركين أنّهم لا يزالون يستطيعون رؤية الوجه!
على الجانب الآخر، يعتقد البعض أيضًا أنّ هناك تفسيرٌ تطوّريٌّ للظاهرة، يقول “كارل ساغان” المؤلف وعالِم الفلك الأمريكي: “إنّ عملية التعرّف على الوجوه وتحديدها قد تكون ميزةً للبقاء، فقدرتنا على تمييز الصور مكّنتنا في إحدى المراحل من تحديد ما إذا كان من يقترب صوبنا هو صديق أو عدو”، ويضيف”ساغان”: “وهذه الميزة أيضًا تترجم على أنّها تقوم بإيجاد صور لأشخاص معيّنين أو وجوه ما، حيث لا توجد واقعيًّا أي صورة لأي شخص، ولا يوجد أي شخص فعليًّا”.

وقد استخدمت هذه الخاصيّة الجوهرية لظاهرة “الباريدوليا” منذ ذلك الحين كأساسٍ لاختبار (رورشاخ) ذي بقع الحبر؛ وهو اختبارٌ نفسي تُسجًّل فيه تصورات الأشخاص عن بقع من الحبر ثم يتم تحليلها باستخدام التفسير النفسي، أو الخوارزميات المعقدة، أو كليهما، الذي بدوره سيكشف عن حقائق أساسية لحالته العقلية.

ويوجد أيضاً سببٌ لكون معظم تلك ”المشاهد“ ذات طابع ديني في أغلب الأحيان، ففي عام 2013، تم تطبيق اختبار من قبل العلماء في (هلسنكي) (بفنلندا) على 47 مشاركًا لدراسة ظاهرة (الباريدوليا)؛ حيث وجدت هذه دراسة في فنلندا أن الأشخاص المتدينين أو الذين يؤمنون بقوة بالخوارق هم أكثر عرضة لرؤية الوجوه في الأشياء والمناظر الطبيعية التي لا حياة فيها تبعا لعوامل عاطفية تساعد على ترجمة هذه المشاهد لصور مألوفة.

الفنان العبقري إيطالي المنشأ؛ «ليوناردو دافنشي» وصف رؤية الوجوه في الأشكال العشوائية، قائلاً: «إذا نظرت إلى أية جدران مرقّطة ببقع مختلفة أو بأنواع مختلفة من الأحجار، فقد تخترع مشهدًا ما يخصك، ترى على سبيل المثال العديد من المناظر الطبيعية المختلفة المزيّنة بالجبال والأنهار والصخور، والأشجار والسهول والوديان الواسعة، أو ترى مجموعات مختلفة من التلال، وربما ستتمكن أيضًا من رؤية المعارك والأشكال المتنوعة في حركة سريعة، أو ترى تعبيرات غريبة للوجوه، وكذلك الأزياء الغامضة، كما يمكنك أن ترى عددًا لا نهائيًّا من الأشياء التي يمكنك بعد ذلك تصنيفها في أشكال منفصلة ومصممة جيدًا».

وفي بعض الأحيان يستخدم الفنانون هذه الظاهرة لصالحهم من خلال تضمين صور مخفية في عملهم. وبعيدًا عن الفائدة الفنية لها فلا يمكن تجاهل الفائدة المادية التي يجنيها الأشخاص غريبو الأطوار الذين يعرضون مقتنياتهم التي تحمل وجوهًا ما عبر المواقع ليشتريها غريبوي أطوار أخرون منهم؛ حيث باعت “ديان دويسر” من ميامي شطيرة الجبن المشوي، والتي قالت إنها تحمل صورة يسوع، مقابل 28 ألف دولار على موقع eBay في عام 2004!

مهما كنت محدود الخيال، يمكنك عيش “الباريدوليا”، لا تدعها تثير مخاوفك، فهي ظاهرة رائعة على جميع المستويات؛ نفسية كانت، أو عصبية، أو جسدية.